الخطيب الشربيني

402

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

تنبيه : استدل أهل السنة على أن فعل العبد خلق لله تعالى بقوله سبحانه : فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ لأن الصلاح إنما حصل بجعل الله تعالى وخلقه ، وقال الجبائي : يحتمل أن يكون معنى جعل أنه أخبر بذلك ، ويحتمل أن يكون لطف به حتى صلح إذ الجعل يستعمل في اللغة في هذه المعاني ، والجواب : أن ذلك مجاز والأصل في الكلام الحقيقة . وَإِنْ هي المخففة ، أي : وإنه يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : ستروا ما قدروا عليه مما جئت به من الدلائل ، وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف . ولما كانت إن مخففة أتى باللام التي هي علمها فقال : لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ أي : ينظرون إليك نظرا شديدا يكاد أن يصرعك من قامتك إلى الأرض كما يزلق الإنسان فينطرح لما يتراءى في عيونهم ، أو يهلكونك من قولهم : نظر إلي نظرا يكاد يصرعني ويكاد يأكلني ، أي : لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعل قال القائل « 1 » : يتقارضون إذا التقوا في موطن * نظرا يزل مواطئ الأقدام وقيل : أرادوا أن يصيبوه بالعين فنظر إليه قوم من قريش ، وقالوا : ما رأينا مثله ولا مثل حجمه ، وقيل : كانت العين في بني إسرائيل فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول : لم أر كاليوم مثله إلا عانه حتى أن البقرة السمينة أو الناقة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها ، ثم يقول : يا جارية خذي المكتل والدرهم ، فائتينا من لحم هذه الناقة فما تبرح الناقة حتى تقع للموت فتنحر . وقال الكلبي : كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئا يومين أو ثلاثة ثم يرفع جانب الخباء فتمر به الإبل أو الغنم ، فيقول : لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه فلا تذهب إلا قليلا حتى تسقط منها طائفة هالكة ، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بالعين فأجابهم ، فلما مر النبي صلى اللّه عليه وسلم أنشد « 2 » : قد كان قومك يحسبونك سيدا * وأخال أنك سيد معيون فعصم الله تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم ونزلت هذه الآية ، وذكر الماوردي أن العرب كانت إذا أراد أحدهم أن يصيب أحدا بعين في نفسه أو ماله يجوع ثلاثة أيام ثم يتعرض لنفسه وماله فيقول : تالله ما رأيت أقوى منه ولا أشجع ولا أكبر منه ولا أحسن ، فيصيبه بعينه فيهلك هو وماله ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وروى أبو نعيم أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر » « 3 » . وعن أسماء بنت عميس قالت : يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم قال : « نعم فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين » « 4 » . وقال الحسن : دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية ، وقرأ نافع

--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( قرض ) ، ( زلق ) ، وتاج العروس ( قرض ) ، ( زلق ) ، وتهذيب اللغة 8 / 342 ، 432 ، ومقاييس اللغة 3 / 21 . ( 2 ) البيت من الكامل ، وهو للعباس بن مرداس في ديوانه ص 108 ، وجمهرة اللغة ص 956 ، والحيوان 2 / 142 ، وشرح التصريح 2 / 395 ، وشرح شواهد الشافية ص 387 ، ولسان العرب ( عين ) ، والمقاصد النحوية 4 / 574 . ( 3 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 9 / 226 ، وابن عدي في الكامل في الضعفاء 6 / 2403 . ( 4 ) أخرجه مسلم في السلام حديث 2188 ، والترمذي في الطب حديث 2059 ، وابن ماجة في الطب حديث 3510 ، ومالك في العين حديث 3 ، وأحمد في المسند 1 / 254 ، 347 ، 360 ، 6 / 438 .